لماذا لا نشرّع الزواج المدني الاختياري ؟

الأب جورج مسّوح

حسنّ أن يقرّر وزير الداخلية والبلديات زياد بارود منح المواطنين الحق في شطب القيد الطائفي من سجلات النفوس. لكن هذه الخطوة يلزمها خطوة اكبر منها هي اقرار قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية يخضع له اللبنانيون ممن لا يرغبون باتباع قانون الاحوال الشخصية الخاص بكل طائفة من الطوائف المعترف بها. فلا شك ان معظم الذين سوف يختارون شطب قيدهم الطائفي يفضلون اكمال خيارهم هذا بالسعي الى قانون مدني للزواج، لانهم ان اضطروا الى الزواج الديني فقد يلاقون بعض العراقيل والمضايقات من المؤسسات الطائفية المتحكمة بعقود الزواج.

ولسنا ننطلق في تأييدنا لقرار وزير الداخلية وفي مطالبتنا باقرار قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية من قناعات علمانية او مدنية او قومية او وطنية، بل من قناعات دينية وايمانية راسخة تقوم اساسا على احترام حرية الفرد الانساني الدينية. فالله، بحسب الديانتين المسيحية والاسلامية، خلق الانسان حرا مختارا بين الخير والشر، وبين الفضيلة والرذيلة، وبين الايمان والكفر، وسوى ذلك من ثنائيات متناقضة. كما تتفق الديانتان على رفض الجبرية المطلقة وعلى القول بأن الانسان مسؤول عن افعاله التي يقوم بها، وبأن الله سيحاسبه عليها في الآخرة. فاذا كان الله خلق الانسان حرا مختاراً، فلماذا ترفض الطوائف والمذاهب المختلفة اطلاق سراحه من أسرها؟
في لبنان تنحصر صلاحية عقد الزواج بالمؤسسات الرسمية الممثلة للطوائف المعترف بها قانونيا. فاللبناني غير المؤمن او غير المبالي او اللاادري او الملحد او الذي يريد الزواج بشريك من غير دينه، ان شاء الزواج فما عليه سوى تبادل ممارسة النفاق مع المؤسسة القائمة على امور الطائفة المسجلة على اخراج قيده فيعقد زواجا دينيا لا يؤمن به، او السفر خارج لبنان لعقد زواج مدني تعترف به الدولة اللبنانية التي لا تجرؤ في الآن عينه على تشريعه. نفاق بنفاق يدفع ثمنه المواطن اللبناني وتنتفع منه الدول المجاورة، ولا سيما قبرص.
يبني القائمون على المؤسسات الدينية حين يتكلمون على الحرية الدينية خطابا جميلا مليئا بالآيات والمراجع التي تؤكد على احترام الله والديانات لهذه الحرية. فان كانت الديانتان تجمعان على القول بأن لا اكراه في الدين، فلماذا تقبل بفرض الزواج الديني على من يجاهر بالقول والفعل والفكر بأنه لا يرغب به؟ ولماذا تقبل بتحول البعض من ديانتهم الاصلية الى ديانة الشريك، ولو عن غير ايمان وقناعة، بسبب عدم اكتمال شروط الزواج الديني من دون هذا التحول؟ والله نفسه لم يلزم آدم وحواء بالبقاء في جنته حين رفضا الخضوع لمشيئته، فلماذا تلزم المؤسسات الدينية الناس بالبقاء في فيء جناحيها وهم يرغبون بالخروج من كنف سلطتها؟
ثم تفرح حين تسمع القائمين على المؤسسات الدينية يتحدثون عن المساواة بين البشر جميعا، ولا سيما بين الذكر والانثى. غير ان البعض يذكرك بأن ثمة تفضيلا في الزواج الديني ومستتبعاته للرجل على المرأة في مسائل الزواج والطلاق والارث وحضانة الاولاد. لذلك يختار البعض الهروب من الزواج الديني بسبب رغبة الشريكين بأن يتساويا امام القانون وان يتساوى اولادهما، ذكورا واناثا، ايضا في الأرث مثلا. وان كان صحيحاً الكلام على المساواة، فلماذا تحرم المرأة من ميراث زوجها او من حضانة اطفالها اذا لم تكن على دينه؟
فان ارادت المؤسسات الدينية ان تكون منسجمة مع تعاليمها واقوالها ونصوصها الدينية فما عليها سوى ان تبادر قبل غيرها من الهيئات الى المطالبة باقرار قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية، لا ان تعارض كل محاولة تسعى الى تشريعه، او ان تحاول تعديل قوانينها وتشريعاتها لتلائم المتغيرات الاجتماعية والثقافية مع تبدل السياقات والاحوال. وكي تستعيد المؤسسات الدينية مصداقيتها عليها ان تستغني عن استغلالها لسلطتها الحصرية على الاحوال الشخصية التي منحها اياها هذا النظام الطائفي التمييزي الذي أقل ما يمكن أن يقال فيه هو انه النقيض الكلي للقيم الدينية وصفائها.

25 شباط 2009
جريدة النهار

الأوسمة:

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.