العلمانيون: تعميم بارود خطوة والرهان على العدد لتكريس المدني

مادونا سمعان

كان من المقرر أن يتوجّه اليوم حوالى المئة مواطن لشطب قيد الطائفة عن سجلات نفوسهم، وذلك بعد التعميم الذي أصدره وزير الداخلية والبلديات زياد بارود، المتعلّق بحقّ كل مواطن بعدم التصريح عن القيد الطائفي أو شطبه من سجل النفوس. غير أن الوزارة تمنّت إرجاء الخطوة إلى آذار المقبل، بسبب ضغط استخراج بطاقات الهوية التي على أساسها سوف تتم العملية الانتخابية المقبلة.

إذاً، في آذار المقبل «امتحان» لكل من نادى بإلغاء الطائفية وبالدولة المدنية وبالعلمانية، أفراداً وأحزاباً وتيّارات… وحتى آذار المقبل، تحل فترة تفكير بـ«الفرصة» التي يقدّمها لهم التعميم والذي لم يلق ردود فعل سلبية علانية… ذلك، ربما، لأن المستفيدين من النظام الطائفي القائم يعرفون أن الطائفية محكمة قبضتها على لبنان دولة وأرضاً وشعباً، ويظنّون أن شطبها لن يكون سوى إزالة حبر عن الورق، وبالتحديد عن سجل النفوس، بعدما تمت إزالتها عن الهوية وجواز السفر.
غير أن الذين ينوون شطب الطائفة عن سجلاتهم يرون فيها خطوة أولى صوب تحقيق الحلم بمجتمع مدني، لا سيما ان كل تجارب البلد صوب العلمانية والمدنية سقطت، وخير دليل الإخفاق بتطبيق ما نصّ عليه اتفاق الطائف بهذا الخصوص، منذ إقراره بداية التسعينيات.
يتفّق الذين سيقدمون على الخطوة، ومنهم من باشر بها، على أنهم أرادوا منها أن «يُعاملوا كمواطنين وليس كرعايا لهذه الطائفة أو تلك»، كما لفتت ناي الراعي، وأنهم بشطب الطائفة لا يعني أنهم يشطبون الدين، وفق جيلبير ضومط.. ولو أن بعضهم أصرّ على عدم انتمائه إلى أي من الطوائف، وأنه كحسام، سيقدم على الخطوة للتخلّص مما تمّ إلصاقه به والتعامل معه على أساسه منذ الولادة.
والخطوة التي تتم عند البعض بمباركة الأهل، «لأننا تربينا على هذه الأفكار» تقول ناي، ستفتح جبهات لدى آخرين إما لأن «الأهل ليسوا علمانيين وعاشوا الحرب»، كما وصفت ميّادة العبدالله وإما لأنهم خائفون على «الطائفة» بحدّ ذاتها نظراً للتحاليل والبراهين التي تظهر أن «الطائفة» إلى تراجع عدديّ، كما الحال مع جيلبير.
أما حسام فتبدو معركته طويلة وأشرس، وقد أراد قطع شوط منها من دون إبلاغ ما وصفه بـ«العائلة الكبرى» بخطوته قبل الإقدام عليها، لأنه «حين تقع الواقعة» سيردّون الفعل ولن يحاولوا إعاقة الإقدام على الفعل بحدّ ذاته، لافتا إلى تقبل «عائلته الصغرى»، أي أبويه وأشقائه، للموضوع.
ترى باسكال مصوبع في شطب طائفتها عن سجلّها واجباً تجاه مواطنيتها وخطوة «أنا مجبرة على اتخاذها ولو كنت الأولى أو الوحيدة التي أقدم عليها». أما الرهان فيجذب أفراداً آخرين، لأن «الطائفية علّة هذا الوطن، ولن يشفى منها الا بشطبها».
فعلياً، لن يروي تعميم بارود ظمأ العلمانيين والمدنيين على الأرض اللبنانية، إلا أنه أتاهم في وقت سئموا فيه من المحاولات الفاشلة، وفي وقت تتكرّس فيه الطائفية عبر الأحزاب والتيارات المختلفة. ولكن، «إن لم نستطع شطبها من النفوس فلنبدأ بشطبها من النصوص»، تستخلص ميّادة وهي واحدة من كثر، كما تصف، صفّقوا للتعميم وللوزير على حدّ سواء.
لكن، شطب القيد الطائفي عن سجلّ النفوس سيسقط، وهذا حتماً، أمام أول استحقاق يواجهه المقدمون عليه، بالزواج أو بالإرث أو بغيرها من الظروف التي تتحكم بها قوانــين الأحـوال الشخــصية في لبنان.
ولعلّ أول استحقاق ستهزم فيه الطائفية معادلة المواطنية والمدنية والعلمانية، هي الانتخابات النيابية المقبلة، حيث سيقدم شاطب الطائفة على الاقتراع لمرشحين عن مقاعد طائفية للوصول إلى المجلس النيابي. ميّادة ستقــترع بورقــة بيضاء، كي تمارس حقّها، لأن أياً مــن قوى الرابــع عــشر أو الثامن من آذار لا يرضيها. وقد تحذو حذوها باسكال. أما ناي فتنتظر قانون انتخاب غير مبني على أساس طائفي، وربما قائم على دائرة انتخابية واحدة، كما يطمح حسام.
رهان هؤلاء، وفق ما يقوله جيلبير، هو تأسيس نواة كبيرة من شاطبي القيد الطائفي عن سجل النفوس، حتى تتشكل قاعدة شعبية كبيرة تفرض على السياسيين تشريع قوانين تنظم علاقة هذه القاعدة بالدولة. إلى ذلك الحين، لا يمكن لأحد أن يجتزئ فرحة كل منهم بتعميم يعتبرونه خطوة أولى صوب الدولة التي يحلمون بها، ولو أن الحلم لن يتحقق كاملاً «على أيامنا»، حسبما ترجّح ناي.
نفض بارود الغبار عن قانونٍ وضع في السابق في الأدراج، وقد أبصر النور بعد تشكيل لوبي علماني منذ أربع سنوات للضغط على السلطة اللبنانية لإلغاء الطائفية وإجراء بعض التشريعات لتحرير المواطن منها، يروي الكاتب نصري الصايغ. ويضيف: «تمّ تداول سلسلة أفكار اختير منها مشروع يتقدّم عبره الدكتور طلال الحسيني بطلب شطب الإشارة إلى الطائفة في سجلات النفوس، لأنــها غير دســتورية وغير قانونية. بمعنى أن تخاض المعــركة من داخل القــانون.
وقد تمّ وضع دراسة قانونية وقدّمــت من قــبل عشرات منذ أكثر من سنة ونصف السنة، وكان أن ذهبنا إلى مأمور النفوس بطلب شطب الطائفة. درس الطلب في وزارتي العدل والداخلية، حيث بقي في درجها إذ لم يوقّع عليه الوزير حسن السبع، حتى أتى الوزير بارود ووقّع عليه».
بالمعنى الســياسي، يعتبر الصايغ أنها ضربة للنظام اللبناني القــائم من شأنها أن تزعزعه، وهي خطوة أولى «لم تخسرنا حقوقنا في المحاكم الشرعية إلى حين إنشاء محاكم مدنية تعالج أحوالنا الشخصية».
في الأيام المقبلة، أو بالأحرى بعد منتصف آذار المقبل، «سترسم» الأرقام والحقائق أصدق صورة عن المجتمع اللبناني ومواطنيه، وذلك حين تصبح لدينا إجابة عن أسئلة كثيرة أبرزها: عدد شاطبي الطائفة وأعمارهم ومستواهم الاجتماعي والثقافي وانتماءاتهم الدينية الأصلية والتيارات والأحزاب أو الجمعيات التي ينتمون إليها… ويكون ذلك امتحاناً للطوائف والطائفيين، والأحزاب والمحازبين، والمدنية والمدنيين، فنعرف حينها من يُكرم ومن يهان.

21 شباط 2009
جريدة السفير

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.