شطب القيد الطائفي:من سيسهل، من سيعرقل ومن سيقف متفرجا؟

أصدر وزير الداخلية اللبناني زياد بارود تعميما يقضي بقبول دوائر النفوس طلبات إلغاء القيد الطائفي عن سجلات المواطنين الذين يطلبون ذلك. ويعتبر هذا القرار رائدا، إذ يراه البعض كخطوة أولى على طريق الدولة المدنية. وما بين مرحب متحمس للخطوة ومشكك بقدرة هذا القرار وحده على اختراق الاستحكام الطائفي، يتحضر البعض لحملات مكملة لهذه الخطوة


ساسين كوزلي

تسجل طائفة كل مواطن لبناني عادة على سجله (ماروني، شيعي…). ويعتبر قرار الداخلية اللبنانية السماح بإلغاء الطائفة عن إخراجات القيد التي يحتاجها اللبنانيون في جميع معاملاتهم الإدارية تقريبا خطوة باتجاه إلغاء القيد الطائفي كاملا. لكن تعميم وزير الداخلية لا يعني إلغاء القيود لجميع اللبنانيين، بل للذين يصرحون بذلك فقط بعد أن حذفت الطائفة أو المذهب عن جواز السفر وبطاقة الهوية في أوقات سابقة.

يخضع اللبنانيون لقانون أحوال شخصية يعطي صلاحيات مطلقة للسلطات الروحية على شؤون المواطنين من الزواج والطلاق وشؤون الإرث على سبيل المثال، وهو ما يشتكي منه كثير من اللبنانيون على أنه مصدر سيطرة الطائفية على الحياة السياسية في لبنان حيث ينتخب النواب على أساس طائفي وتوزع مقاعد النواب والمراكز الأساسية في السلطة على أساس نسبي.

ويتلاعب معظم السياسيون اللبنانيون بنظام التوافق الطائفي الذي يحكم البلد منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية التي توجت نهايتها باتفاق الطائف (عقد في مدينة الطائف بالسعودية)، رغم المطالبات والتصريحات الدائمة بضرورة إلغاء الطافية السياسية، بغية الوصول إلى عدالة اجتماعية حقيقية. فهذا الاتفاق ذاته هو الذي دعا إلى إلغاء الطائفية السياسية، عبر إنشاء “الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية”، التي لم يحرك أحد قط أصبعا لجعلها حقيقية، بل العرف كان يقضي بالتذكير بها مرة في السنة، ونسيانها باقي الوقت.

يتمنى عربي العنداري، رئيس إتحاد الشباب الديمقراطي، أن يفضح هذا القرار هذا الأداء السياسي. إذ قال في مقابلة مع “منصات” “كنا نخطط للذهاب كمجموعات منظمة إلى دوائر النفوس لتقديم طلبات شطب القيد الطائفي، علما أننا نعمل على هذا الموضوع منذ فترة طويلة، لكن وزارة الداخلية تمنت علينا تأجيل التحرك إلى وقت لاحق ليتسنى للوزارة استقبالنا بشكل مناسب وتسيير المعاملات، كون الموظفين مشغولين بإنجاز لوائح الشطب للانتخابات النيابية القادمة”.

تابع العنداري “نحن نتعامل بإيجابية مع وزارة الداخلية، وقد أجلنا تحركنا تجاوبا مع التمني، لكننا لن ننتظر أكثر من أسبوع أو أسبوعين. هذا الأمر سيكون معيارا لعلمانية كثير من مدعي العلمانية في لبنان، نحن سنراقب لنرى من سيسهل، من سيعرقل ومن سيقف متفرجا، لكننا نأمل، وسنعمل للوصول بأعداد المتقدمين بطلبات شطب الطائفة عن السجل إلى الآلاف، لأن السند القانوني أصبح واضحا ولا لبس فيه بحق المواطن شطب طائفته عن سجله”.

ويضيف العنداري أن وجود كتلة ترفض تصنيفها طائفيا سيضع ضغطا على السياسيين، وأن هذه الخطوة أصبحت حقا، بل تم تثبيتها كحق للمواطن يكفله الدستور.

وتحدث العنداري عن تاريخ طويل من المحاولات التي كانت تفشل حتى في جعل السلطات المعنية تقبل استلام الطلبات، وكيف كان المتقدم يرسل من كان إلى آخر ويتعرض للاستهزاء في الدوائر الرسمية، ويخبر كيف حاول بعض الموظفين إقناعه بتغيير طائفته بدل شطبها قائلين أنها عملية أسهل، إذ يبدو أن النظام لا يكترث ما هي طائفتك، ما دام باستطاعة هذا النظام تصنيفك طائفيا.

لذلك يرى التعميم الإداري تثبيتا للحق في حرية المعتقد، التي قال وزير الداخلية اللبناني زياد بارود أنها الوحيدة التي وصفها الدستور بأنها حرية مطلقة.

ويعتبر كثيرون، مثل العنداري، أن هذا التعميم إنجاز ممكن البناء عليه.

وفي جلسة مع الإعلاميين في مقر “المركز المدني للمبادرة الوطنية”، قال مدير المركز طلال الحسيني أن هذا القرار هو بلا شك خطوة باتجاه الدولة المدنية.

وعندما سألناه عن الخطوة التالية لتحقيق هذا الهدف أجاب “المركز المدني” يحضر منذ الآن قانون أحوال شخصية مدني اختياري بالتعاون مع وزير الدولة يوسف تقلا والوزير بارود، حيث سيطرحه الوزير تقلا على مجلس الوزراء في الوقت المناسب”.

وكان “المركز المدني للمبادرة الوطنية” قد عمل طويلا على حملة شطب القيد الطائفي، ووعد الحسيني بأن الخطوة التالية ستذهب باتجاه إقرار قانون أحوال شخصية مدني استكمالا لهذه الخطوة، ووصولا لتحقيق مواطنة مدنية كاملة.

واعتبر الحسيني أن لهذا القرار تأثيرات مباشرة على بعض الأفراد والحالات بشكل يمهد للقانون المدني، إذ في حالة تزوج اثنان مدنيا، وكلاهما طلب شطب قيده الطائفي، حينها، سينطبق عليهما القانون المدني، لا الروحي.

من الواضح أن أنصار “الدولة المدنية” يرون في هذا القرار خطوة ممكن تحويلها أداة ضغط على السلطات في حال وصول أعداد المتقدمين بطلبات شطب الطائفة إلى أرقام كبيرة، إذ يتفق العنداري والحسيني أنه حينها لا يمكن تجاهل كتلة بشرية ضخمة ترفض التصنيف الطائفي.

لكن لا يشارك الجميع في هذا التفاؤل، فكتبت الصحافية ضحى شمس في صحيفة الأخبار http://www.al-akhbar.com/ar/node/119288 ” هل يحلم اللبنانيون فعلاً بالدولة المدنية؟ وكم هي نسبة هؤلاء إن وجدت؟ الأيام المقبلة التي ستلي إطلاق حملة شطب القيد المذهبي، ستجيب عن هذا السؤال. لكن، قبل ذلك، هناك أسئلة كثيرة بدأ يطرحها من تحمسوا للخطوة، وخصوصاً تلك الكتلة العائمة من اللبنانيين الرافضة للانخراط بدورة الطائفية كنظام “أمر واقع”".

وفعلا، يقول البعض أن هذه الخطوة على ما يقول المثل الإنكليزي “قليل جدا ومتأخر كثيرا”. إذ أن المشكلة هي أساسا في نظام الأحوال الشخصية الطائفي والصلاحيات الواسعة للسلطات الروحية، بل حتى في النظام السياسي القائم على مبدأ أن كل مواطن يتبع طائفة ما حصرا، وأن الطائفة تمثله، وأن مصالحه هي من مصالح الطائفة. إذا حتى الآن، لا يؤثر شطب الطائفة على الإنتخابات أو الطائفية السياسية على سبيل المثال، التي بدورها نص الدستور المعدل عند إنتهاء الحرب الأهلية على إلغائها، ويجمع الطيف السياسي اللبناني، بكل طوائفه، على اعتبار الطائفية سرطانا في جسم هذا البلد، وأساس مشاكله.

تتساءل شمس في مقالها “وفي حال شطب مذهبه، ما هو تأثير ذلك على الانتخابات المقبلة؟ على الإرث والزواج؟ أيكون لهذه الخطوة أي معنى من دون قانون مدني للأحوال الشخصية؟ ما هي ردة فعل أمراء الطوائف، من روحيين أو دنيويين (لو كان هناك فرق بين الفئتين) على هذه الخطوة؟”

يذكر هذا التساؤل حول ردة فعل أمراء الطوائف باقتراح الرئيس الراحل الياس الهراوي بداية التسعينات طرح موضوع الزواج المدني الاختياري، ووجه الاقتراح حينها بمعارضة شرسة توحدت فيها مختلف السلطات الروحية، إذ أن قانون أحوال شخصية مدني، وإن كان اختياريا، يهدد المصالح الطائفية مباشرة. وتم حينها صرف النظر عن الموضوع بمجمله، رغم تواصل المطالبات والحملات الطلابية والشبابية والمدنية لزمن طويل، إذ أن أولى محاولات شطب الطائفة تعود إلى العام 1969 ، التي لم تنجح حينها، كما قال طلال الحسيني.

رغم الأجواء شبه الاحتفالية والشعور بالنصر الذي يستشف في لقاء “المركز المدني للحملة الوطني”، فالطريق طويل. “خطوة أولى في رحلة الألف ميل”، يقول عربي العنداري حرفيا، هل يريد اللبنانيون الخروج فعلا من اجتماعهم وتماهيهم الطائفي؟ الأرقام لا تكذب، سننتظر ونرى كيف ستتفاعل أحزاب وتيارات تقول عن نفسها أنها علمانية مع نزوح جماعي-؟- من صفوف الطوائف المرصوصة.

فكرة، لما لا يكون القيد الطائفي هو الاختياري، والمدني هو القاعدة؟ فليذهب الحريصون على هذا التصنيف وليصرحوا هم برغبتهم بالانضمام إلى هذه الجماعة أو تلك.

منصّات

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.